أمانة تبوك.. حين تسبق الطفرة الاستثمارية رؤية التكامل التنموي
تشهد مدينة تبوك خلال السنوات الأخيرة حراكًا تنمويًا لافتًا، تقوده منظومة من الجهات التنموية في المنطقة، وفي مقدمتها أمانة منطقة تبوك، إلى جانب شركائها من القطاعات الحكومية والخاصة، في جهد يستهدف مواكبة مستهدفات رؤية المملكة 2030، وتنويع مصادر الدخل، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص.
ولا يمكن لأي منصف أن يغفل ما تحقق من إنجازات؛ من بينها 241 حديقة بمساحة تتجاوز 7.5 ملايين متر مربع، وارتفاع نصيب الفرد من المسطحات الخضراء إلى 8.55 أمتار مربعة، إلى جانب عوائد استثمارية بلغت 493 مليون ريال خلال عام 2024، وخصخصة 39% من الخدمات البلدية.
هذه الأرقام تعكس جهدًا حقيقيًا يستحق التقدير، تقف خلفه جهات متعددة تعمل بتنسيق مشترك، وفي مقدمتها الأمانة. لكن التنمية بطبيعتها مسار تراكمي، يحتاج إلى مراجعة مستمرة تقيس أثر المشاريع على الإنسان والمدينة، لا على مؤشرات النمو وحدها.
وما نطرحه هنا ليس نقدًا لشخص أو جهة، ولا انتقاصًا من الجهود القائمة، وإنما محاولة لطرح أسئلة تنموية مشروعة، قد تسهم في تحسين المسار وتعزيز التكامل بين العائد الاقتصادي وجودة الحياة.
حين تتراجع المساحات الخضراء.. رئة المدينة تبحث عن هواء
من الملاحظ أن جزءًا من التوسع الاستثماري ارتبط بتحويل أجزاء من بعض الحدائق والمتنزهات إلى مواقع تجارية؛ إذ أبرمت الأمانة عقودًا لإنشاء وتشغيل 6 حدائق بقيمة تتجاوز 66 مليون ريال، تتضمن تخصيص 25% من مساحة كل حديقة لأنشطة تجارية.
والحدائق في تبوك لم تكن يومًا مجرد عنصر جمالي، بل تمثل متنفسًا أساسيًا لسكان الأحياء، خصوصًا في مدينة تتوسع عمرانيًا وسكانيًا.
ومن هنا، قد يكون من المفيد عند أي توسع استثماري مستقبلي أن يكون هناك توازن واضح بين العائد الاقتصادي والمحافظة على المساحات المفتوحة، بحيث لا تتحول المساحات الخضراء من عنصر أساسي في جودة الحياة إلى مساحة قابلة للتقليص كلما ظهرت فرصة استثمارية جديدة.
فالمدينة التي توسع استثماراتها يجب في الوقت نفسه أن تحافظ على رئتها.
توزيع الفرص الاستثمارية.. بين الكم والتوازن
بلغ عدد صفقات الأراضي التجارية في تبوك 8,135 صفقة، وهو رقم يعكس حراكًا اقتصاديًا نشطًا، ويؤكد وجود طلب واستثمارات متزايدة في السوق المحلي.
لكن السؤال التنموي هنا لا يتعلق بحجم النشاط وحده، بل بكيفية توزيع الفرص الناتجة عنه.
فطرح بعض المواقع لإنشاء مطاعم ومقاهٍ بعلامات تجارية قد يكون مناسبًا لجذب الاستثمارات الكبرى، لكنه لا يعني بالضرورة أن المشاريع الناشئة والصغيرة تحظى بالمساحة نفسها من الفرص.
المطلوب ليس إيقاف هذه الصيغ الاستثمارية، وإنما إيجاد مسار موازٍ يمنح الشباب والشابات وأصحاب المشاريع الصغيرة فرصًا حقيقية، من خلال تخصيص نسبة من المواقع الاستثمارية لهم، وطرحها بشروط وإيجارات تتناسب مع طبيعة مشاريعهم.
فالمقاهي والمطاعم الصغيرة ليست مجرد أنشطة تجارية؛ بل يمكن أن تكون مساحات اجتماعية، ومشاريع ناشئة، وبوابات أولى لشباب يصنعون حضورهم الاقتصادي داخل مدينتهم.
الشركات المتعاقدة.. الشفافية حق مشروع
ومن الملفات التي تستحق التوقف عندها هوية الشركات المتعاقدة مع الجهات التنموية في المنطقة، بما فيها الأمانة، في مجالات جلب الاستثمار والرقابة والتشغيل.
وهنا لا يتعلق الأمر بإثارة الشكوك، وإنما بمبدأ الشفافية وحق المجتمع في معرفة طبيعة الجهات التي تتولى تنفيذ الأعمال والخدمات المرتبطة بالتنمية والاستثمار.
هل هذه الشركات وطنية؟ وما حجم استفادة المنشآت الصغيرة والمتوسطة من هذه العقود؟ وكيف يمكن ضمان اتساع دائرة المستفيدين من الفرص التي تخلقها الطفرة الاستثمارية؟
وإذا كانت الشركات وطنية، فإن توسيع دائرة تعاملها مع المشاريع الصغيرة والمتوسطة يمكن أن يعزز الأثر الاقتصادي المحلي، بحيث لا تتركز الفرص في نطاق محدود من كبار المستثمرين.
فالخصخصة، في جوهرها، ليست انتقال الخدمة من جهة إلى أخرى فحسب، وإنما وسيلة لتحقيق كفاءة أعلى، وخلق فرص أوسع، وتعزيز مشاركة القطاع الخاص بمختلف أحجامه.
الشباب.. الحلقة التي تحتاج إلى تعزيز
ضخ بنك التنمية الاجتماعية أكثر من 230 مليون ريال في مشاريع رواد الأعمال والمستقلين في تبوك خلال عام 2024، بما يعكس وجود دعم وتمويل يستهدف النشاط الاقتصادي المحلي.
لكن في المقابل، كشفت دراسة أن 79.6% من أصحاب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة لم يحصلوا على تمويل، وأن 68.2% لم يجروا دراسة جدوى.
وهنا تظهر فجوة تستحق المعالجة: الدعم موجود، والتمويل متاح، لكن الوصول الفعلي إلى التمويل والفرص لا يزال بحاجة إلى مزيد من التمكين والإرشاد.
وتضاف إلى ذلك ضغوط الإيجارات التجارية، التي ارتفعت صفقاتها في تبوك بنسبة 48.1% خلال الربع الثالث من 2025 مقارنة بالربع السابق، و41.1% مقارنة بالعام السابق.
وفي الأحياء الجنوبية، أُغلق نحو مئة محل تجاري دفعة واحدة، وبعضها قائم منذ عقود، في مؤشر يستحق الدراسة لمعرفة أسباب هذه التحولات وتأثيرها على النشاط التجاري المحلي.
هذه المؤشرات لا تكفي وحدها للحكم على السوق، لكنها تطرح سؤالًا مهمًا: كيف نحمي المشروع الصغير من الاختناق، وكيف نجعل الاستثمار بابًا للشباب لا حاجزًا أمامهم؟
الخلاصة: تنمية يشعر بها الإنسان
لا يطالب أحد بوقف الاستثمار؛ فهو إحدى عجلات نمو المدن ووسيلة مهمة لتنويع الاقتصاد وخلق الفرص.
لكن السؤال التنموي الأهم يبقى: استثمار من أجل من؟
الاستثمار الذي يوسع الفرص، ويحافظ على المساحات الخضراء، ويدعم المشاريع الصغيرة، ويمنح الشباب موقعًا حقيقيًا في المشهد الاقتصادي، هو استثمار يترك أثرًا مستدامًا في المدينة.
أما الاستثمار الذي قد يؤدي، دون قصد، إلى تقليص المتنفسات أو رفع كلفة ممارسة النشاط التجاري على صغار المستثمرين، فهو بحاجة إلى مراجعة وتقييم مستمر، حتى تظل التنمية متوازنة بين العائد الاقتصادي وجودة الحياة.
وتبوك اليوم أمام فرصة مهمة لتعزيز هذا التوازن؛ من خلال مراجعة معايير توزيع الفرص الاستثمارية، وتعزيز الشفافية في العقود والشراكات، ودراسة أثر الإيجارات التجارية على المنشآت الصغيرة، وإشراك الشباب في قلب المعادلة الاستثمارية، لا على هامشها.
فنهضة المدن لا تُقاس بعدد عقودها، بل بعدد من يستطيع أن يعيش ويكسب ويتنفس فيها.





